الشريف الرضي
45
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
فرؤية اليقظة التي معها ثلج الصدور وبرد اليقين أولى أن تبلغ في هذا الباب الغاية الكبرى ، وتؤمي إلى الغرض الأقصى ، فأما ما قاله بعض المفسرين : من أن المراد بقوله تعالى : ( في منامك ) إنما هو في عينيك ، وإنما عبر بالمنام عن العين لان بها يكون النوم ، فهو قول ظاهر التعسف شديد التكلف ، لا ينبغي أن يعتمد عليه ولا يلتفت إليه ، لان الأثر أولا قد جاء بذكر ما أرى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله من تلك الحال في منامه ، ولان العبارة عن العين بالمنام فيها تلبس على السامع ، وعدول في الفصاحة عن الطريق الواضح ، ولو كان الامر كذلك لكان قوله تعالى من بعد : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ) قد أغنى عن الرؤية المذكورة في الآية المتقدمة الخاصة للنبي [ ص ] ، وكان ذلك الاختصاص للنبي [ ص ] بالتقليل في عينيه لا فائدة فيه ، لان ما جاء بعده كاف منه ، فإنه سبحانه إذا قال للمسلمين ( والنبي صلى الله عليه وآله فيهم ) : ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ) فقد دخل النبي في جملتهم وصار رائيا لذلك معهم ، فلما أفرده تعالى في الآية المتقدمة باختصاص الرؤية على تلك الصفة ، علمنا أن ذلك في حال المنام ، وأن رؤية المسلمين - وهو صلى الله عليه وآله معهم - لما رأوه من قلة المشركين ، في حال الاستيقاظ ، واختلفت الحالات وانتظم الكلام ، وإنما أراد سبحانه أن يجمع لهم رؤية القلة في حال النوم واليقظة ، ليكون ذلك أقوى لنفوسهم ، وأنفذ لبصائرهم ، وأشد لمعاقد عزائمهم .